عنوان – الرياض – ريم منصور سلطان :
ضمن فعاليات مبادرة الشريك الأدبي التابعة لوزارة الثقافة، إستضاف مقهى السبعينات مساء أمس الثلاثاء الموافق 09 يونيو 2026م جلسة حوارية بعنوان (القصدية في تصميم غلاف الكتاب الأدبي – الرواية نموذجًا)، أدارها الروائي والكاتب الأستاذ سلطان منيف، وإستضاف خلالها الفنانة التشكيلية الدكتورة منال الرويشد وسط حضور من المهتمين بالأدب والفنون البصرية وصناعة النشر.
وتناولت الجلسة أحد أكثر العناصر تأثيرًا في تجربة القراءة وهو غلاف الكتاب بوصفه العتبة الأولى التي يعبر من خلالها القارئ إلى النص، فالغلاف لم يعد مجرد عنصر جمالي أو أداة تسويقية، ولكنه أصبح نصًا بصريًا موازياً يحمل إشارات ودلالات تسهم في تشكيل توقعات القارئ وعلاقته بالعمل الأدبي.
لم يكن الحديث عن أغلفة الروايات حديثًا عن ألوان وخطوط وصور فحسب، لكنه كان تأملًا في ذلك الفضاء الصامت الذي يسبق الكلمة ويهيئ لها طريقها إلى القارئ، فقد تناول الحوار مفهوم القصدية في تصميم الغلاف الروائي، بوصفه نصًا موازيًا يجاور الرواية ليعبر عنها، ليفتح باب أسئلتها دون أن يمنح إجاباتها لتجذب القارئ لإقتناء العمل، فالصورة ليست زينةً خارجية، واللون ليس اختيارًا اعتباطيًا، والخط ليس مجرد وعاء للكلمات، لكنهم جميعها إشارات تتواطأ فيما بينها لصناعة إنطباع أول، ولفتح نافذة صغيرة على العالم الذي يختبئ خلف الصفحات.
كما امتد النقاش إلى العلاقة المركبة بين الناشر والكاتب والمصمم، وهي علاقة تشبه حوارًا دائمًا بين الرؤية وما يجذب الجمهور، وبين الحلم وصورته المتجسدة، وفي هذا السياق، توقفت الدكتورة عند فكرة شائعة طالما ترددت في الأوساط الثقافية، وهي الاعتقاد بأن الكاتب هو صاحب القرار المطلق في تشكيل غلاف عمله، غير أن الواقع يكشف عن صورة أكثر تعقيدًا، إذ غالبًا ما يكون الناشر هو الطرف الأكثر تأثيرًا في هذا القرار، باعتباره المسؤول عن تقديم الكتاب إلى العالم وعن صياغة هويته البصرية في سوق تتنافس فيه الكتب على جذب العين قبل أن تخاطب العقل.
ومن هنا بدا الغلاف وكأنه منطقة تتقاطع فيها الإرادات وتتفاوض فيها الرؤى، فلا يكون انعكاسًا خالصًا لرغبة الكاتب، ولا ترجمةً كاملة لخيال المصمم، بل ثمرة حوار بين أطراف عدة، أما الكاتب فلا يغدو صاحب السلطة النهائية على هذا الوجه البصري إلا عندما يتحمل بنفسه عبء النشر وتكاليفه، فيصبح الغلاف حينئذ امتدادًا مباشرًا لخياله ورؤيته، وتغدو الصورة التي تسبق النص ابنةً شرعية كاملة لصاحب النص ذاته.
وشهدت الأمسية استعراض عدد من الأغلفة الروائية العربية ومن بينها رواية المحاور نفسة الاستاذ سلطان المنيف التي كانت بعنون ( قطيعة العاشقين) نموذجا، وحليلت الدكتورة ما تحمله تلك الكتب من رسائل ورموز خفية، وكيف نجحت بعض الأغلفة في أن تصبح جزءًا من ذاكرة العمل الأدبي، لا مجرد واجهة ترافقه.
وقد شهد اللقاء تفاعلًا ثريًا من المشاركين الذين أثروا الحوار بأسئلتهم ومداخلاتهم وتأملاتهم، فتحولت الجلسة إلى مساحة حية لتبادل الرؤى والخبرات، وتقاطعت فيها وجهات النظر حول دور الغلاف في تشكيل التجربة القرائية، ولم يكن الحضور متلقين فحسب، فقد كانوا شركاء في صناعة المعنى، إذ أضفت مشاركاتهم أبعادًا جديدة للنقاش، وأكدت أن الغلاف الروائي ليس مجرد عتبة للنص،إنما نافذة واسعة تُطل منها التأويلات والقراءات المتعددة.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن تصميم الغلاف الأدبي فعل إبداعي موازٍ للكتابة، وأن نجاحه لا يقاس بجماله البصري فحسب، وأيضاً بقدرته على بناء حوار خفي بين النص والقارئ، ليصبح الغلاف بوابةً للمعنى، ووجهًا أول للحكاية، وجسرًا يعبر منه المتلقي إلى عوالم الرواية وأسئلتها الإنسانية والجمالية.