من هو أحمد أبو دهمان ويكيبيديا، السيرة الذاتية للكاتب السعودي صاحب رواية الحزام
ودعت الساحة الأدبية السعودية والعربية اليوم الأحد، الرابع عشر من ديسمبر لعام 2025، الكاتب والروائي الكبير أحمد أبو دهمان، الذي توفي عن عمر يناهز السادسة والسبعين عاما بعد معاناة مع متاعب صحية مزمنة. لم يكن رحيله مجرد فقدان لكاتب مرموق، بل هو انطفاء لصوت فريد نجح في نسج حكاية قريته الجنوبية الصغيرة “آل خلف” في نسيج الأدب العالمي، ليصبح بذلك جسراً ثقافياً حقيقياً بين ضفاف عسير وضفاف نهر السين في باريس، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً غنياً ورواية خالدة هي “الحزام” التي حفرت اسمه في ذاكرة الأدب العالمي.
من هو أحمد أبو دهمان
أحمد أبو دهمان الذي ولد عام 1949 وتوفي عام 2025، هو شخصية أدبية مركبة لا يمكن اختزالها في تعريف واحد، فهو الروائي والشاعر والصحفي السعودي الذي حمل قريته في قلبه وذاكرته إلى باريس، ليقدمها للعالم بلغة موليير. يُعتبر أبو دهمان ظاهرة فريدة في المشهد الأدبي العربي، فهو أول كاتب من شبه الجزيرة العربية يؤلف عملاً أدبياً باللغة الفرنسية مباشرة، ويحظى بالنشر لدى دار “غاليمار” الفرنسية العريقة، وهو إنجاز لم يكن مجرد مغامرة لغوية، بل كان مشروعاً ثقافياً عميقاً يهدف إلى بناء حوار بين ثقافتين مختلفتين عبر بوابة الأدب، اذ كان حارسا أمينا لذاكرة مكان كاد أن يطويه النسيان، ونجح في تحويل تفاصيل الحياة اليومية البسيطة في قريته إلى ملحمة إنسانية عالمية تتحدث عن الأصالة، الفقد، والتحولات القاسية التي تفرضها الحداثة.
ولادته ونشأته في كنف القرية
في عام 1368 للهجرة، الموافق لعام 1949 ميلادي، أبصر أحمد أبو دهمان النور في قرية “آل خلف” الهادئة، إحدى قرى محافظة سراة عبيدة في قلب منطقة عسير جنوب غربي المملكة العربية السعودية، كانت نشأته في مجتمع قبلي محافظ، له قوانينه الصارمة وتقاليده الراسخة، وبيئة طبيعية قاسية وساحرة في آن واحد، هذه القرية، التي وصفها لاحقاً في روايته بأن المطر فيها “لا ينزل بل يصعد” في إشارة إلى الضباب الكثيف الذي يلف جبالها، هي التي شكلت وجدانه ومنحته مادته الخام للإبداع. ترعرع بين حكايات الأجداد، وأغاني الرعاة، وشعر المناسبات، وتشرب لغة الجنوب المفعمة بالصور الشعرية والاستعارات البكر. هذه الطفولة لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل كانت هي الهوية الكاملة التي حملها معه طوال حياته، والمنبع الذي ظل ينهل منه في كتاباته، محاولاً القبض على تفاصيل عالم يتلاشى.
مسيرة أحمد ابو دهمان التعليمية
بدأت رحلة أحمد أبو دهمان مع التعليم في مدرسته الابتدائية بالقرية، ثم انتقل إلى مدينة أبها لإكمال دراسته المتوسطة، ومنها إلى الرياض حيث التحق بمعهد المعلمين وتخرج فيه. عاد بعدها إلى قريته ليعمل معلماً لمدة ثلاث سنوات، في تجربة منحته فهماً أعمق لأثر التعليم في تغيير المجتمعات الصغيرة. لكن طموحه كان أكبر من حدود القرية، فقرر إكمال تعليمه الجامعي والتحق بجامعة الرياض، التي أصبحت لاحقاً جامعة الملك سعود، وتخرج في قسم اللغة العربية بتقدير ممتاز، مما أهله للعمل كمعيد في نفس القسم. كانت النقلة الكبرى في حياته عام 1979، عندما فاز بمنحة دراسية لابتعاثه إلى فرنسا، هناك، في باريس وجد نفسه أمام تحدٍ جديد، حيث أمضى عامين كاملين في تعلم اللغة الفرنسية قبل أن يتمكن من الالتحاق بجامعة السوربون العريقة، التي نال منها درجة الماجستير. هذه التجربة الباريسية لم تكن مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت انغماساً كاملاً في ثقافة جديدة، فتحت عينيه على عوالم فكرية وأدبية مختلفة، وصقلت موهبته ومنحته الأدوات اللغوية والفكرية لمشروعه الأدبي المستقبلي.
مشواره المهني بين الصحافة والإبداع
توزعت حياة أبو دهمان المهنية بين عوالم متعددة، فبعد مسيرته الأكاديمية القصيرة كمعلم ثم معيد جامعي، دخل عالم الصحافة من بابه الواسع أثناء إقامته في باريس. فمنذ عام 1982، تولى إدارة مكتب مؤسسة اليمامة الصحفية، التي تصدر عنها جريدة الرياض، ليصبح صوتاً سعودياً بارزاً في العاصمة الفرنسية. لم يكتفِ بالعمل الإداري، بل كان كاتباً صحفياً مؤثراً، حيث اشتهر بعموده الأسبوعي “كلام الليل” في جريدة الرياض، والذي كان نافذة يطل من خلالها على قرائه بآرائه العميقة وتأملاته الفلسفية التي تمزج بين هموم الوطن وهاجس الغربة. لاحقاً، وبعد عودته الجزئية إلى الرياض، أسس وترأس مؤسسة “الحزام للاستشارات الإعلامية”، مستثمراً خبرته الطويلة في الإعلام والثقافة لتقديم رؤى استشارية متخصصة، ليظل بذلك فاعلاً في المشهد الثقافي السعودي حتى سنواته الأخيرة.
رواية الحزام لـ أحمد ابو دهمان
يبقى الإنجاز الأهم الذي سيخلد اسم أحمد أبو دهمان في تاريخ الأدب هو روايته الفريدة “الحزام”، هذه الرواية ليست مجرد عمل أدبي، بل هي مشروع حياة. فبعد سنوات من التأمل والكتابة، قرر أن يروي حكايته بلغة الآخر، فألفها بالفرنسية وصدرت عام 2000 عن دار “غاليمار”، في خطوة جريئة أثارت دهشة وإعجاب الأوساط الأدبية. حققت الرواية نجاحاً فورياً في فرنسا وأوروبا، وتُرجمت إلى أكثر من ثماني لغات عالمية، لتنقل تجربة القرية السعودية إلى قارئ لم يكن يعرف عنها شيئاً. لم يكتفِ بذلك، بل أصر على أن ينقل عمله بنفسه إلى لغته الأم، فصدرت النسخة العربية عن “دار الساقي” عام 2001، لتكون ترجمة المؤلف التي حافظت على روح النص الأصلي وشعريته العالية. “الحزام” هي سيرة ذاتية روائية، تستعيد بأسلوب شاعري أخاذ ذكريات الطفولة، وتوثق لحظة التحول الكبرى التي عاشتها القرية عند دخول الحداثة، ممثلة في شق الطريق وبناء المدرسة. اسم الرواية نفسه يحمل دلالة رمزية عميقة، فهو يشير إلى شيخ القبيلة الذي كان بمثابة “الحزام” الذي يربط أفرادها ويحفظ توازنها، ومع رحيله بدأ كل شيء في التغير.
أحمد ابو دهمان وش يرجع
ينحدر الكاتب أحمد أبو دهمان من قرية آل خلف في محافظة سراة عبيدة، وهو ينتمي إلى قبيلة قحطان، إحدى أعرق وأكبر القبائل في شبه الجزيرة العربية. هذا العمق القبلي لم يكن مجرد هوية اجتماعية، بل كان مكوناً أساسياً في نسيج شخصيته وكتاباته. لقد استلهم من هذا الإرث الكثير، فظهرت تقاليد قبيلته، وأعرافها، وأشعارها، وحتى لهجتها الخاصة، كعناصر حية في روايته “الحزام”. كان فخوراً بهذا الانتماء، لكنه في الوقت نفسه كان يمتلك رؤية نقدية تجاه بعض جوانب الحياة القبلية، وهو ما منحه القدرة على تصوير مجتمعه بصدق وموضوعية، بعيداً عن التجميل أو الإدانة، مقدماً صورة حقيقية للإنسان والمجتمع في تلك المنطقة من العالم.
وفاة أحمد ابو دهمان
في يوم الأحد الرابع عشر من ديسمبر 2025، رحل أحمد أبو دهمان جسداً عن عالمنا في العاصمة الفرنسية باريس، المدينة التي أحبها وعاش فيها جزءاً كبيراً من حياته. لكن روحه وإرثه الأدبي سيظلان حاضرين بقوة. نعاه المثقفون والكتاب في السعودية والعالم العربي بحزن عميق، ليس فقط لأنه كاتب كبير، بل لأنه كان شاهداً على عصر، وراوياً أميناً لذاكرة جماعية، ومبدعاً استطاع أن يثبت أن الأدب الحقيقي، حتى وإن انطلق من أضيق الأماكن، قادر على الوصول إلى أرحب الآفاق الإنسانية.