عُسر اليد: لغز بيولوجي قديم وتوازن دقيق بين الوراثة والتطور البشري

0

يظل تفضيل استخدام اليد اليسرى ظاهرة مستمرة ومثيرة للاهتمام، إذ تتراوح نسبتها عالمياً بين 10% إلى 13% من البشر، مع ملاحظة أن الذكور يشكلون نسبة أعلى قليلاً من الإناث ضمن هذه الفئة. ورغم أن أغلب البيئات والأدوات مصممة لتناسب مستخدمي اليد اليمنى، فقد حافظت هذه الأقلية على وجودها عبر العصور، مما دفع العلماء إلى تعميق البحث في أسباب هذا التباين البشري الدائم.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن تحديد اليد المهيمنة ينشأ من تفاعل معقد بين العوامل الوراثية وتطور الدماغ، وليس نتاج جين واحد فقط. وقد كشفت أبحاث جامعة أكسفورد الصادرة في عام 2026 عن طفرات نادرة في جينات محددة، مثل جين "TUBB4B"، تؤثر في عدم تناظر الدماغ وتكوين الأنابيب الدقيقة داخل الخلايا، مما يسهم في تحديد اليد المسيطرة، وإن كانت هذه الطفرات تفسر جزءاً صغيراً من الحالات. يتحكم النصف الأيمن من الدماغ في الجانب الأيسر من الجسم، بينما يسيطر النصف الأيسر على الجانب الأيمن، ولقد ارتبط النصف الأيمن بالقدرات الإبداعية والعاطفية.

من منظور تطوري، يرى الباحثون أن بقاء هذه السمة يعود إلى مبدأ "الانتقاء المعتمد على الندرة"، حيث يمكن أن تمنح الصفات غير الشائعة ميزة معينة. وأظهرت دراسة إيطالية حديثة (مارس 2026) أن مستخدمي اليد اليسرى يتمتعون بمستويات تنافسية أعلى ورغبة أقوى في الفوز، وهو ما قد ينبع من كونهم أقلية تدفعهم لإثبات الذات. هذه الميزة التنافسية تبرز بشكل خاص في الرياضات الفردية مثل الملاكمة والتنس والمبارزة، حيث يشكل أسلوبهم غير التقليدي عنصر مفاجأة للخصوم.

يتميز مستخدمو اليد اليسرى بخصائص معرفية وإبداعية ملحوظة، إذ يميلون إلى التفوق في مجالات مثل تعلم اللغات والرياضيات وقراءة الخرائط، ولديهم قدرة تحليلية وتفكير إبداعي فريد. كما تشير بعض الأبحاث إلى أنهم قد يمتلكون تواصلاً أكثر تنسيقاً بين المناطق اللغوية في نصفي الدماغ.

تاريخياً، ارتبط استخدام اليد اليسرى بوصمة اجتماعية في العديد من الثقافات، ووصل الأمر في بعض الفترات إلى إجبار الأطفال على الكتابة باليد اليمنى. لكن مع تراجع هذه الضغوط، عادت نسبة مستخدمي اليد اليسرى إلى مستوياتها الطبيعية، وأصبح يُنظر إليهم في العصر الحديث كأفراد يمتلكون قدرات مميزة، مع تمثيل لافت لهم بين الشخصيات البارزة في السياسة والفنون والعلوم.

وفي سياق متصل، كشفت دراسات جامعة أكسفورد في مايو 2026 عن تفسير جديد لهيمنة اليد اليمنى لدى معظم البشر (حوالي 90%)، يربطها بتطور المشي على قدمين وزيادة حجم الدماغ، مما حرر اليدين لمهام أكثر تعقيداً. ورغم هذه الاكتشافات، لا يزال العلماء يبحثون عن تفسير كامل لاستمرار وجود نسبة من مستخدمي اليد اليسرى ضمن هذا المسار التطوري. كما تتواصل الأبحاث حول بعض الارتباطات المحتملة بين استخدام اليد اليسرى وبعض الحالات الصحية، مع التأكيد على أن الغالبية العظمى من أصحاب اليد اليسرى لا يعانون من أي مشكلات.