أصدر جاك كلارك، أحد مؤسسي شركة أنثروبيك الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تحذيرات متجددة بشأن التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، داعياً إلى فرض قيود وضمانات قوية. تبرز هذه الدعوات في ظل قلق متنامٍ من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى مرحلة تتمكن فيها من تصميم وتدريب أجيالها اللاحقة دون الحاجة إلى تدخل بشري كبير، مما يمثل تحولاً تقنياً قد يكون فارقاً في تاريخ البشرية.
تؤكد البيانات الداخلية للشركة أن هذا السيناريو يقترب بوتيرة متسارعة، حيث كشفت أنثروبيك أن أكثر من 80% من الشيفرة البرمجية المدمجة في قاعدة بياناتها بحلول مايو 2026، تم إنشاؤها بواسطة نموذجها "كلود". يمثل هذا الرقم ارتفاعاً كبيراً مقارنة بنسبة ضئيلة للغاية كانت سائدة في أوائل عام 2025، مما يشير إلى تحول دور المهندسين من كتابة الشيفرات إلى الإشراف عليها. كما أظهرت المؤشرات أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إنجاز مهام هندسية متواصلة لمدة تصل إلى 12 ساعة، بعد أن كانت هذه المدة لا تتجاوز بضع ثوانٍ في عام 2022، مما يبرز التطور السريع في قدرتها على العمل المستقل.
ينصب القلق الأساسي على ما يُعرف بـ "التحسين الذاتي التكراري"، وهو مفهوم يشير إلى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة على تعزيز قدراتها الخاصة، وتصميم أجيال جديدة من الذكاء الاصطناعي وتدريبها بمساعدة بشرية محدودة أو معدومة. ورغم الفوائد المحتملة الكبيرة لهذا التطور في مجالات مثل العلوم والرعاية الصحية، إلا أنه يثير مخاوف جدية بشأن فقدان البشر للسيطرة على هذه الأنظمة المعقدة.
شبه كلارك الوضع الحالي في صناعة الذكاء الاصطناعي بسيارة تمتلك دواسة وقود قوية لكنها تفتقر إلى دواسة مكابح، مشدداً على أن التقدم يتسارع بشكل غير مسبوق دون وجود ضوابط كافية. ولهذا، تدعو أنثروبيك إلى وضع آليات منسقة وقابلة للتحقق لإبطاء أو إيقاف تطوير الأنظمة المتقدمة مؤقتاً، خاصة إذا بدأت هذه الأنظمة في تحسين نفسها بوتيرة تتجاوز قدرة المجتمع على إدارة المخاطر المحتملة.
تتطلب أي آلية فعالة لوقف أو إبطاء التطور اتفاقاً بين المختبرات الكبرى في هذا المجال على مستوى العالم، مع وضع قواعد واضحة تحدد الظروف التي تستدعي هذا التوقف. ويؤكد كلارك على أهمية الرقابة الحكومية والتشريعات لضمان بقاء البشر متحكمين في مسار الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن أي تباطؤ أحادي من جانب شركة واحدة لن يكون له تأثير كبير، بل قد يؤدي إلى نقل الريادة إلى جهات أخرى أقل حذراً. وقد واجهت أنثروبيك بعض الانتقادات التي ترى في تحذيراتها مبالغة في تقدير المخاطر أو محاولة لإبطاء المنافسين.
في سياق متصل، تشهد الساحة الدولية جهوداً متزايدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ في أغسطس 2024، ليكون أول إطار تنظيمي شامل عالمياً يعتمد على تقييم المخاطر. كما أقرت كوريا الجنوبية قانوناً إطارياً للذكاء الاصطناعي في يناير 2026. وفي خطوة لتعزيز الشفافية، أتاحت أنثروبيك مؤخراً للاتحاد الأوروبي استخدام نموذجها "ميثوس" لتقييم المخاطر المحتملة، خاصة بعد أن أظهر النموذج قدرات مقلقة في مجال الأمن السيبراني.